القرطبي
181
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
دخول الجنة حقوق الآدميين إذ الدّين ليس مختصا بالمال على ما يأتي . ولهذا قال علماؤنا : أحوال الشهداء طبقات مختلفة ، ومنازل متباينة ، يجمعها أنهم يرزقون ، وقد تقدم عليه السلام : « من مات مريضا مات شهيدا وغدي وريح عليه برزقه من الجنة » « 1 » . وهذا نص في أن الشهداء مختلفو الحال وسيأتي في باب كم الشهداء ، إن شاء اللّه تعالى . الخامس : فإن قيل : فقد روى ابن ماجة عن أبي أمامة قال : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « لشهيد البحر مثل شهيدي البر ، والمائد في البحر كالمتشحط في دمه في البر ، وما بين الموجتين كقاطع الدنيا في طاعة اللّه عز وجل ، وإن اللّه وكّل ملك الموت بقبض الأرواح إلا شهيد البحر ؛ فإنه يتولّى قبض أرواحهم ، ويغفر لشهيد البرّ الذنوب كلها إلا الدّين ، ولشهيد البحر الذنوب كلّها والدّين » « 2 » . قلنا : الدين إذا أخذه المرء في حق واجب لفاقة أو عسر ومات ولم يترك وفاء ، فإن اللّه تعالى لا يحبسه عن الجنة إن شاء اللّه شهيدا كان أو غيره ، لأن على السلطان فرضا أن يؤدي عنه دينه . قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « من ترك دينا أو ضياعا فعلى اللّه ورسوله ، ومن ترك مالا فلورثته ، فإن لم يؤد عنه السلطان ، فإن اللّه تعالى يقضي عنه ويرضي خصمه » « 3 » . والدليل على ذلك ما رواه ابن ماجة في « سننه » عن عبد اللّه بن عمرو قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إن الدين يقضى أو يقبض من صاحبه يوم القيامة إذا مات ، إلا من تديّن في ثلاث خلال : الرجل تضعف قوته في سبيل اللّه فيستدين ليتقوى به لعدو اللّه وعدوه ، ورجل يموت عنده رجل مسلم لا يجد ما يكفنه فيه ويواريه إلا بدين ، ورجل خاف على نفسه العزبة فينكح خشية على دينه ، فإن اللّه يقضي عن هؤلاء يوم القيامة » « 4 » . وأما من أدان في سفه أو سرف فمات ولم يوفه ، أو ترك له وفاء ولم يوص به ، أو قدر على الأداء فلم يوفه ، فهذا الذي يحبس به صاحبه عن الجنة حتى يقع القصاص بالحسنات والسيئات على ما يأتي ، فيحتمل أن يكون قوله عليه السلام في شهيد البحر عامّا في الجميع ، وهو الأظهر لأنه لم يفرق بين دين ودين ، ويحتمل أن يكون قوله فيمن أدان ولم يفرط في الأداء ، وكان عزمه ونيته الأداء ، لا إتلاف
--> ( 1 ) تقدّم أنه حديث ضعيف . ( 2 ) أخرجه ابن ماجة ( 2778 ) ، وقال الألباني في « الضعيفة » ( 817 ) : « موضوع بهذا التمام » . ( 3 ) أخرجه أحمد ( 2 / 464 ) والنسائي ( 1 / 234 ) ، وحسّنه الألباني في « صحيح سنن النسائي » ( 1853 ) . ( 4 ) أخرجه ابن ماجة ( 2435 ) ، وضعفه الألباني .